ابن تيميه
82
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
مسائل السب وما يشتبه ممال ليس بسب قال : الوجه السابع : أن يذكر ما يجوز على النبي صلى اللّه عليه وسلّم أو يختلف في جوازه عليه ، وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن إضافتها إليه ، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات اللّه على شدته ، من مقاساة أعدائه وأذاهم له ، ومعرفة ابتداء حاله وسيرته ، وما لقيه من بؤس زمنه ، ومرّ عليه من معاناة عيشته ، كل هذا على طريق الرواية ومذاكرة العلم ، ومعرفة ما صحّت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم ، فهذا فنّ خارج عن هذه الفنون الستة ، إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف ، لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ . قال : لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده ، ويحققون فوائده ، ويجنب ذلك من عساه لا يفقه ، أو يخشى به فتنة ، فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص ، لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن . فقد قال صلى اللّه عليه وسلّم مخبرا عن نفسه باستئجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من نبي إلا وقد رعى الغنم » « 1 » . وأخبرنا اللّه بذلك عن موسى . فهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه ، بخلاف من قصد الغضاضة والتحقير ، بل كانت عادة جميع العرب . نعم في ذلك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج من اللّه تعالى لهم إلى كرامته ، وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خلقه بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم العلم بذلك ، وكذلك قد ذكر اللّه يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له ، فذكر الذّاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه ، والتعجّب من منح اللّه قبله ؛ وعظيم منن اللّه عنده ، ليس فيه غضاضة ، بل فيه دلالة على نبوته صلى اللّه عليه وسلّم وصحة دعوته ، إذ أظهره اللّه تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئا فشيئا ، ونمى أمره صلى اللّه عليه وسلّم حتى قهرهم وتمكّن من ملك مقاليدهم ، واستباحة ممالك كثيرة من الأمم غيرهم ، بإظهار اللّه له وتأييده بنصره وبالمؤمنين ، وألّف بين قلوبهم ، وإمداده بالملائكة المسوّمين . ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدّمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوّه ، ولهذا قال هرقل - حين سأل أبا سفيان بن حرب عنه صلى اللّه عليه وسلّم - هل من آبائه ملك ؟ فقال : لا ، ثم قال : وقلت لو كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه « 2 » . وإذا اليتم من صفته ، وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم السالفة . وكذا وقع ذكره في كتاب أرميا ، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب ، وبحيرا لأبي طالب .
--> ( 1 ) أخرجه مالك بلاغا في « الموطأ » ( 2 / 365 ) - 54 - كتاب الاستئذان . ( 6 ) باب ما جاء في أمر الغنم . وأخرجه البخاري ( 2262 ) من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ : « ما بعث اللّه نبيا إلا رعى الغنم » الحديث . ( 2 ) القصة في « صحيح البخاري » برقم ( 7 ) وانظر أطرافه هناك .